Wednesday, 18 October 2017 01:28

ك الله ، أيها الشعب الصومالي العظيم

                                                                                                  ( قراءة الحدث من نافذة مغايرة ) 
                                                                                                           فى مدينة مقديشو ، العاصمة التى سجلت فى الآونة الأخيرة ، أنها المدينة الأولى 
فى العالم من حيث البناء والتوسع ، تلك المدينة التي تعتبر العاصمة القومية للشعب الصومالي ، والتى تأسست قبل ألف عام على شواطئ المحيط الهندي ، وهي المدينة التي استقبلت الدعاة والعلماء ، وسجلت منذ زمن  سحيق أنها البوابة الرئيسيّة للتعامل مع الخارج .
فى هذه المدينة الجميلة التى تجمع فى باحتها جمال الطبيعة الساحرة ، وجمال الشواطئ الساحرة ، فهي مدينة ساحرة بكل ما تعنى الكلمة من معنى ، المناخ معتدل فى كل العام ، والفواكه بكل أنواعها موجودة فى كل العام ، مدينة الموز والفواكه ، فى هذه المدينة الرائعة والجميلة والمتميزة وقع زلزال رهيب ، ولكنه لم يكن أرضيا ، وإنما كان بشريا ، كانت جريمة إرهاب ، وقتل متعمد ، وضرب على الذات .
إن يوم السبت الموافق الرابع عشر من شهر أكتوبر ، حصلت فى هذه المدينة مذبحة بشرية ، وصلت الضحايا أكثر من ( ٢٤٠ ) شخصا وفقا لبعض الإحصائيات ، والجرحى بالمئات من السكان ، فكان من الذين استشهدوا طلبة علم ، ورجال مال ، وكتاب ، وغيرهم من عقول الشعب وسواعده ، فكانت جريمة بكل ما تعنى الكلمة من معنى .
نعتبر هذا اليوم أليما ، ونعتبر ما جرى فى هذه المدينة جريمة ، ونعتبر من كان وراء هذا الفعل مجرما ، وإرهابيا ، ولكننا نحاول من جانبنا ان نقرأ من بين السطور بقدر المستطاع من كان وراء الجريمة ، فالفاعل واضح ، ولكن السبب غير واضح ، ولهذا نحتاج إلى فتح العيون بقوة لنقرأ من خلال الحدث السبب ، ومن له فائدة ومصلحة من وراء هذه الجريمة فى هذه اللحظة .
نجاح ، وتعثر ، وتيه . 
--------------- 
فى هذه المرحلة ، وخاصة بعد مجيئ السيد فرماجو إلى سدة الحكم ، وتفاعل المجتمع مع هذه الحكومة التي يقودها السيد فرماجو ، والسيد حسن خيري ، ورأى المواطن الصومالي بأن لحظة جديدة بدأت فصولها تتكون من جديد ، وعلمنا من الخيوط المحكمة بأن هناك من هو ضد هذا النجاح النسبي ، وهذا النوع من التفاعل ما بين المواطن والحكومة ، وهؤلاء يتوزعون على الخريطة التالية :
- فى المنطقة أعداء إستراتيجيون للشعب الصومالي ، ولكن المشكلة أن الكثيرين من الشعب يعانون مرض فقدان الذاكرة ، فيحسبون بأن الأعداء يغيرون استراتيجيتهم حسب الأهواء ، وليس على حسب الرؤي الأفكار والمصالح .
- فى المحيط العربي ، من يرى بأن الدولة الصومالية تمثل منافسا استراتيجيا فى كثير من الأمور ، وخاصة فيما يتعلق بإدارة الموانئ ، وليس لدي أدنى شك فى ان الأراضي الصومالية زاخرة بالخيرات والبركات ، فهي أراضي بكرة لم يتم بعد استغلالها ، ومن هنا ، فإن هناك من يخطط ولو من بعد بقاء الصومال فى مربع ( اللادولة ) .
- فى المحيط الدولي ، هناك استراتيجية لم تتضح بعد معالمها ، وهي ترى بأن الصومال يحب أن تبقى فى هذا المربع حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الصراع الدولي ، فالصين كدولة تعرف المنطقة ، وهي بهذا تخطط فى الإستفادة من النفظ الموجود في أوغادينيا حتى المحيط الهندي من الجمهورية الفيدرالية الصومالية ، كما أن الغرب ، وخاصة حكومات الدولة الإيطالية ، والبريطانية ، والفرنسية ، لم تقل الكلمة الأخيرة فى الشأن الصومالي لأسباب إستراتيجية .
- وجود الوعي المغشوش لدى كثير من أبناء الشعب الصومالي حول قضيته المصيرية ( بناء الدولة ) ، فهذا الوعي المغشوش هو الذي جعل الصراع ما بين المركز ( الحكومة ) ، وما بين الأطراف ( الحكومات الفيدرالية ) قويا فى هذه المرحلة ، لماذا يجتمع حكام الدول الموصوفة بالفيدرالية فى هذا الأسبوع ، ويتم كل ذلك فى شكل يوهم بأنهم يريدون من وراء الإجتماع تحدى الدولة المركزية ؟ ولماذا تحاول بعض الدول فى العالم العربي ، وفى المنطقة التعامل مع الحكومات الفيدرالية فى القضايا الكبرى متجاوزين بذلك كل الأعراف والقوانين ذات الصِّلة ؟ ولماذا تقبل بعض الجهات الصومالية فى هذا التناقض ؟
- وجود الحسد السياسي ما بين الدول فى الحالة الصومالية ، فهناك رفض عربي للوجود التركي ، كما أن هناك تسابق عربي فى الصومالي ، ويتم ذلك بدون تنسيق عربي ، وغياب شبه مطلق للجامعة العربية التى كان يجب أن تلعب هذا الدور المحوري . 
إن بناء القاعدة التركية بحسابات استراتيجية فى الصومال خلق فى أروقة الخارجية المصرية قلقا بالغ الحرارة ، وحين أعلنت الحكومة التركية أنها بصدد بناء جيش صومالي قوامه حاليا ( ١٠٠٠٠ ) جندي ، أوجد قلقا آخر لدى بعض دول الجوار ، وهناك جهات صومالية ، ليست راضية عن خلق جيش صومالي له عقيدة عسكرية ، ومن هنا فإن الزلزال الذى حصل فى يوم السبت ، لم يكن مفاجئا فى الحسابات السياسية ، وعند التأمل في ربط الأحداث بعضها فى بعض .
- ما زالت الحركة الدينية العنيفة ( الشباب ) قوية ، وموجودة ، ولكن هذه القوة ليست مستمدة من الشعب ، ولا من الفكر ، ولكنها تستمد قوتها من ضعف الحكومة المركزية ، ومن تشتت القرار الصومالي ، وتستمد كذلك من الخلافات الصومالية - الصومالية ، فهذه الحركة تعيش فى الفراغ الفكري ، وفى الخواء السياسي ، ولهذا تستخدم القوة بلا حكمة ، وبلا رؤية سياسية ، فهذا القتل العشوائي يدل على شيء من هذا ، ويضاف إلى وجود أصابع خارجية تستغل كذلك التيه السياسي فى الداخل .
- غياب الحكمة من القرارات الصومالية ، فالنخب الصومالية فى المرحلة الحالية فاقدة الوطنية والحكمة معا ، فليس من الوطنية أن استخدم قوتي ضد أخى وشقيقى ، بينما أكون نعامة مع العدو فى المنطقة ، وهذا أيضا دليل آخر على وجود ثغرات هائلة فى الحصون ، ذلك إن كان لدى المجتمع الصومالي حصونا فى الوقت الحالى .
لقد فرح الشعب الصومالي حين نجح الرئيس ( فرماجو ) ، ولاحظوا فيه الإنتماء القومي ، والإرادة السياسية فى رفع الهمة عند المواطن ، كما فرحوا مرة أخرى حين لاحظوا فى اختيار حسن خيري رئيسا للوزراء ، ولكن الصدمة صارت سيدة الموقف ، والسبب أن الدولة بقيت فى الخفاء ، وأن الحكومة الحالية لم تستطع الوصول إلى مواقع الدولة ، فكأن الدولة تم اغتصابها ، فليست موجودة فى السطح ، بل هناك من يتحرك فى العمق ، فهل ثمة دولة عميقة فى الصومال ؟ هل هناك على الأقل دولة موازية فى الصومال ؟
إن القراءة المتأملة للأحداث من حكومة الشيخ شريف حتى حكومة فرماجو تنبئ بأن ثمة دولة تحت السطح ، ويجب البحث عنها ، فهي وراء الخراب نسبيا ، وتسعى مع آخرين فى عدم قبول استقرار فى الصومال ، وكأن مصلحتها يكمن فى الفوضى السياسية ، والسؤال ، ما هي مكونات هذه الجهات التى قد تمثل الدولة الموازية فى الصومال ؟
فى رأيى ، هناك جهات ثلاثة ، ولها ارتباط عميق مع بعض الجهات الخارجية وهي :
أولا : رجال الأعمال الذين حصلوا المال الهائل فى لحظة الفراغ السياسي ، فهؤلاء يمثلون بشكل مباشر الدولة العميقة ، أو الدولة الموازية ، ولديهم علاقات ضخمة مع جهات خارجية ، وخاصة مع دول ذات روح تنافسية مع الصومال بشكل أو بآخر . ( إثيوبيا ، وكينيا ، والإمارات العربية ) نموذجا .
ثانيا : التكوينات السياسية والقبائلية فى الجمهورية ، وهي تشبه دول داخل الدولة ، فلا وجود لقانون يحمى تغول الدول ذات الحكم الفيدرالي على الدولة المركزية ، وكذلك العكس ، فهذه الدول لها وجود معتبر فى العاصمة ، وتعمل فيها كجماعات الضغط على الحكومة ، وليس للحكومة المركزية جماعاتها فى هذه الدول ، ومن هنا نلاحظ ضياع الميزان ، بل ونجد بشكل واضح البقاء فى مربع ( اللادولة ) .
ثالثا : وجود نخب سياسية تحمل الجنسية المزدوجة ( تصادم الإنتماء السياسي مع المصالح الوطنية العليا ) ، فهذه الحقيقة السياسية ، يجب ملاحظتها فى الدستور الصومالي ، فكيف يحكم شعبا بوزن الشعب الصومالي شخصية له ازدواجية فى الجنسية ؟ ماذا يفعل إذا تناقضت مصالح بلد ( الأم ) مع مصالح بلده الثاني ؟ بل ماذا يفعل الوزير ، أو الحاكم حين يرجع إلى الوطن الذي منحه الجنسية ؟ هل هو سيتعامل مع شخص له إرادة سياسية طموحة ، أم سيعاني أزمة الإزدواجية ؟ 
فى الحكومة العراقية ، ما بعد صدام تعاني تلك المشكلة ، فالسياسيون رجال فى العراق لهم جولات وصولات ، ولكنهم فى البلاد الغربية يتحركون كمواطنين عاديين ، بل فى بعض الأحيان كمتسولين .
لقد رأينا هذه الحالة فى الحكومات الصومالية المتعاقبة ، فلا بد من إيقاف هذه الظاهرة بقانون دستوري حتي لا تصبح القضية الصومالية كالقضية العراقية ، وهما فى المآل واحد .
هذه هي الأركان فى الدولة الموازية ، وتلك هي أساب عدم الإستقرار ، وليس من الممكن الانتصار على ظاهرة الإرهاب فى الصومال مع وجود هذه الدولة ، وتلك الصراعات العميقة ، والعنيفة ، والعبثية ، كما أن الخروج من الورطة لا يحتاج إلى وجود حكومة فاقدة الفاعلية ، فإننا بحاجة إلى فهم الواقع قبل التعامل معه ، وليس من الحكمة أن نفهم الواقع من نافذة ( الواقع القبلي ) ، ولكن من نافذة ( الواقع الفكري والسياسي ) .
حين نحاول من جديد أن نفهم الظاهرة الصومالية من نافذة الفكر السياسي ، سوف نحتاج إلى قراءة نوعية ، تخالف القراءات الموجودة فى السطح ، نحن نحتاج إلى تبنى منهج التفكيك والتركيب ، فلا بد من تفكيك الحالة الصومالية ( المحلية والإقليمية والعالمية ) ، وبعدها نحاول من حديد تركيب الحالة التى نرغبها ، ولكن بطريقة علمية . 
هكذا سيموت الشعب الصومالي فى كل لحظة ، وهكذا سوف نبكى نحن حسرة على فقدان العقول ، وهكذا سيظل المجتمع الدولي يتفرج على ما يجرى فى المسرح الصومالي دون ان يحرك شيئا ، وهكذا سيبقى الوضع بلا تغيير ، لا غالب ، ولا مغلوب ، أيها الشعب الصومالي ، فلا بواكي لكم ، لا البكاء ينفع ، ولا استجداء رحمة الدول يجدى نفعا ، لقد دقت ساحة التفكير بقوة وعقلانية ، لماذا الصومال مستهدفة ؟ لماذا يقتل الأبرياء فى هذا الوطن الجريح ؟ من له المصلحة العليا فى استمرار الأزمة فى الصومال ؟ من الإجابة عن هذه الأسئلة نعرف الحقائق ، ولكن هل ثمة من يرغب فى ذلك ؟ .
لقد سئمنا من القراءات المتشابهة ، والبعيدة من العمق ، والتى لا تحاول أن تفهم الظاهرة من خلال الأفكار الموجودة فى الساحة ، فلا مشكلة بدون أفكار ، هنا ، فى الصومال أفكار ميتة ، وهي تميت المجتمع ، ولَم تصنع النخب الأفكار الحية التى تحيى المجتمع ، ولهذا نحن اليوم فى مفترق الطريق ، هل النخب الفكرية والسياسية بحاجة إلى مراجعة ؟ أم هي تمشى فى طريقها إلى المجهول لتكرار الأخطاء ؟
رحم الله شهداء المذبحة ، وألهم الله الصبر والسلوان لأهاليهم ، ونسأل الله الشفاء العاجل للمصابين والجرحى ، ونسأله تعالى أن يخرج للشعوب المنكوبة مفكرين يحملون لها المصابيح فى الدجى
We use cookies to improve our website and your experience when using it. Cookies used for the essential operation of this site have already been set. Cookie policy. I accept cookies from this site.Agree